الدمار في أبين والكاميرات وقوافل الإغاثة في دماج

منذ ستة أشهر وأبين في مرمى قصف الطائرات والدبابات والمدافع، متعددة الجنسية، ولم يتساءل أحد ولو من باب الفضول أو الرياء عن حقيقة ما يجري في أبين وكأن شيئاً لم يحدث. بالمقابل اندلعت منذ أكثر من شهر مواجهات مسلحة بين الحوثيين والسلفيين في دماج لا تمثل -من حيث رقعة القتال وضراوته أو الكثافة السكانية- 5% مما يجري في أبين فقامت قيامة اليمنيين واصطف الثوار وخون بعضهم بعضاً مؤكدين في شهر أن فكرة التعايش بين المختلفين، التي تغنى بها إعلام الثورة طوال عشرة أشهر، مجرد سراب يحسبه الظمآن ماء.
مشكلة الرأي العام في اليمن أنه ليس نزيهاً في تبنيه للقضايا الإنسانية والحقوقية: الحرب في أبين ولجان الوساطة في صعدة. النزوح من أبين وقوافل الغذاء والدواء إلى دماج!! المعارك في زنجبار وأنظار العالم وعدسات الكاميرا في دماج!! مشكلة الرأي العام اليمني أنه عاطفي وسطحي يسهل توجيهه، أو التأثير فيه. منذ ستة أشهر لم تسر سيارة مدنية واحدة على طريق عدن أبين -الذي يربط أربع محافظات كبرى- والإعلام المحلي والأجنبي مشغول بسبل فتح الطريق إلى دماج! ستة أشهر لم يحلق في سماء أبين طائر فيما المواقع والصحف والفيس بوك مهمومة بصعدة وبشعارات من قبيل "كلنا دماج". بل وطفت على السطح عبارات كـ"المجوس والرافضة والناصبة" إلخ.. هذه النفايات المذهبية.
يقتل 30 مدنياً بريئاً في قصف خاطئ لجامع جعار القديم ولم يدن هذه الجريمة أحد في البلد: لا النخب الحزبية ولا المستقلة، لا الليبراليون ولا الإسلاميون، لا القبائل ولا المدنيون، لا حراس الشرعية أو الثورة. لم يصدر أي بيان، من فرد أو مؤسسة يمنية، يدين جريمة قتل مدنيين باستثناء من الأمم المتحدة. بل لقد تنافس علي عبدالله صالح وعلي محسن وقواتهما وإعلامهما على نيل رضا الإدارة الأمريكية وادعاء "شرف"دخول زنجبار وفك حصار لواء القائد الصوملي.
إنه موسم النفاق والمزايدة. قبل أسابيع قتل وجرح 53 يمنياً في أبين في يوم ولم يقل أحد كلمة واحدة. ولا نخس. لم يزايد أحد وما أكثر المزايدين باسم دماء اليمنيين هذه الأيام مع أن دماء كثيرة أريقت في أبين! لم يتظاهر أحد بالحرص على رفع الحصار عن المدنيين، وما أكثرهم هذه الأيام، مسيراً قوافل الإغاثة إلى أبين كدماج. حتى حرمة الدستور، وما أكثر المدافعين عنها، لم يتساءل أحد باسمها عن الوضع القانوني لجماعة أنصار الشريعة؟ هل أصدرت النيابة بحق قادتهم مذكرات اعتقال فامتنعوا عن تسليم أنفسهم؟ ما الجرائم الجنائية التي ارتكبوها؟ ثم هل تكون العقوبة للجماعة أم للمجتمع الذي هي فيه؟
قال إعلام النظام عن أنصار الشريعة إنهم إرهابيون ونحن جميعا، الموالون لصالح والمعارضون، صدّقنا دون تحر. قال إنهم قتلة ونحن جميعا، وفينا الحوثي والإصلاحي والاشتراكي والمستقل، صدقنا. قال إن أنصار الشريعة هم النسخة اليمنية من تنظيم القاعدة ونحن جميعاً صدقنا دون أن نسأل النظام كيف عرفتم أنهم قاعدة وهم يسمُّون أنفسهم أنصار الشريعة؟ ربما من بطاقات الائتمان التي صرفها بن لادن لهم! حتى إعلام المعارضة والثورة نقل عنهم ما يزيد ذعر العالم فقط: قطع أيدي، قتل المثليين جنسياً، وجرائم أخرى مدانة ولم يقل أنهم وفروا مدرسين لمدارس وأنهم -قبل المواجهات- أعادوا الأمان لطريق شبوة أبين الذي لم يكن آمناً. باختصار إشاعة دماج أقوى من حقيقة زنجبار! وهذه هي مشكلة الرأي العام: ازدواجية المعايير الحقوقية. إن ما تنقله وسائل الإعلام عن دماج يخضع للشك والتمحيص من قبل النخب السياسية والمجتمعية بينما ما تنقله نفس وسائل الإعلام عن زنجبار مسلمات لا يختلف عليها معارض وموالي أو حوثي وإصلاحي أو مستقل!
إنه النفاق ولا وصف آخر. إن الرأي العام الذي تقطع قلبه على دماج هو ذاته الرأي العام الأصم الذي وفر للجيش اليمني، ومن ورائه المخابرات السعودية والأمريكية، غطاء ومشروعية بصمته وتواطئه. والمؤسسات التي نادت، بدافع إنساني متصنع، لرفع حصار دماج هي ذاتها التي تجاهلت، عمداً أو سهواً، معاناة 100 ألف أسرة تم تشريدهم من منازلهم وقراهم ومزارعهم؟ والإعلام الذي نقل للعالم ضجر سكان العاصمة من عسكرة شارعي هايل والقاع ومتارس الفرقة والحرس لم ينقل للرأي المحلي والخارجي ويلات وضجر سكان أربع محافظات كبرى هي (أبين-شبوة- حضرموت- المهرة) بعد إغلاق طريق عدن أبين نهائياً؟
دماج قرية وأبين محافظة شاسعة. في أبين تنافس النظام وجيش الثورة على كذبة "فك الحصار"، وفي دماج تنافس مكونان ثوريان على تكذيب بعض من تهمة الحصار. هل لأن صنعاء منفصلة عن هموم أبين أم لأن السعودية قريبة من دماج؟ لِم لم يشكك أحد في الرواية القائلة بحصار اللواء العسكري من قبل القاعدة كالتشكيك برواية حصار الحوثي لدماج؟ ماذا لو كان مقاتلو جماعة "أنصار الشريعة" ولو فرضاً هم المحاصَرون من قبل النظام لا العكس!!! ماذا لو كانوا من أبناء تلك المناطق وليسوا مستجلبين من قندهار!! بل ماذا لو لم يكونوا تنظيم قاعدة أصلاً وكانوا جماعة يمنية تدعى"أنصار الشريعة" وحسب وفق تسميتهم لأنفسهم؟
إنه موسم النفاق. مجلس النواب الذي شكل لجنة تقصي لأحداث دماج لم يقدم ولا حتى استفسار خجول عن حقيقة الحرب النظامية في أبين؟ والمجلس الوطني الذي شكل هو الآخر لجنة تقصي في دماج تجاهل وضع أبين ومواطنيها وكأنها خارج الحدود اليمنية. لا شيء في اليمن لوجه الله والإنسان!! نقابة الصحفيين اليمنيين أيضاً تطالب الحوثي بتأمين ممر آمن للصحفيين إلى دماج. هذا الموقف الحقوقي المشرف بدا موقفاً منافقاً رخيصاً بسبب أن نقابة الصحفيين لم تطالب القاعدة ونظام صالح وشركاء الحرب على الإرهاب بتأمين ممر آمن للصحفيين إلى أبين مع أنها أولى وأوجب!!
قناة الجزيرة في اليمن أيضاً وخصوصاً واحدة من أكبر وسائل التشويش على الرأي العام وتلويث الذهن العام. كانت الجزيرة ذات يوم مهنية وحيادية أما اليوم فطبل أجوف. وعندما كان العالم كله ضد نظام صدام حسين إرضاء للإدارة الأمريكية وقفت الجزيرة وحدها مع العراقيين المدنيين حد تعريض الزميل أحمد منصور حياته للخطر وتهديد البيت الأبيض بقصف مقر الجزيرة في الدوحة!! اليوم هي شاهد زور. وقد أظهرت أحداث دماج مدى تظليلها وزيفها واللامهنية في تغطيتها الإخبارية؟ لقد استضافت الجزيرة مرات عدة، الناطق باسم الحوثيين وباسم السلفيين وباسم مقاتلي قبائل أرحب ولم تستضف ولا مرة واحدة، ولو مجاملة، متحدثاً باسم أنصار الشريعة. إنه النفاق. إنه عدم الحياد. استضافت صحفيين زاروا صعدة وأرحب مرات عدة بدافع تحري الأوضاع الإنسانية للمواطنين (هههههههههههههههههه) ولم تستضف مثلاً الزميل الصحفي عبدالرزاق الجمل كأول صحفي يمني تطأ قدماه أبين.
وفدان صحفيان وحقوقيان كبيران زارا مديرية دماج مقابل صفر في أبين. تجار ومشائخ وانتهازيون وتجار حروب ولجان تقصي حقائق ووساطة لدماج مقابل صفر لأبين. حتى حسين الأحمر الذي منع من دخول قصر الملك عبدالله فتحت له بكل سهولة أبواب عبد الملك الحوثي وهو خصمه إلى وقت قريب!!!! وتمت إعادة الأحمر الصغير إلى واجهة المشهد السياسي في اليمن بعد أشهر من التسكع في القاهرة بحثاً عن دور بطولي في القضية الجنوبية فوته عليه القادة الجنوبيين وقدمه له الحوثي على طبق من ذهب، وها هو اليوم يتحول في إعلام الثورة من مُخبر وعميل للقذافي إلى حمامة سلام يحذر من الفتنة والحرب المذهبية مستخدماً دماج ورقة ضغط لابتزاز أو إرضاء السعودية. باختصار كل من يبحث عن دور سياسي ومذهبي أو يبحث عن تمويل مشبوهة فعليه تبني قضية دماج والمزايدة بها.
حتى النخب المحترمة! لم تزر أبين أية منظمة محلية باستثناء بعض الناشطين الفرديين بذريعة أن القاعدة قد يقتلوا، أو يعتقلوا، الوفد الحقوقي. هراء. إن ما توانت عنه المنظمات المحلية قامت به طواعية منظمة تحسين معيشة المجتمع الأمريكية التي زارت قبل شهر مديرية رصد وغيرها من مديريات أبين. "الأمريكيون ليسوا جميعاً أشرار". هذا ما أرادت إيصاله المنظمة الحقوقية الأمريكية. بل أقول إن كل من يرى أمريكا بوصفها شراً مطلقاً هو ذاته الشر المحض.
نحن اليوم إزاء روايتين إعلاميتين متناقضتين: رواية تقول إن الحوثي لم يحاصر دماج قط وأنه ضحية لرجال وإعلام السعودية وأخرى تقول إن الحوثي فعل ويفعل لكنه رفع حصاره شكلياً ونظف مسرح الجريمة قبل وصول الوفد الحقوقي الليبرالي الثاني. رواية تقول إن الحوثيين حاصروا السلفيين، وأخرى تقول إن مسلحي الحجوري هم من حاصروا أسراً زيدية -أو متعاطفة مع الحوثي- تقطن دماج ومن أهلها. لاحظوا الفرق بين صعدة وأبين (حتى لا أقول بين الشمال والجنوب) في التعاطي مع الحدثين وتلقيهما: الأخبار الواردة من صعدة تحمل وجهتي نظر مختلفتين بينما الأخبار القادمة من أبين تحمل وجهة نظر واحدة هي بالمناسبة رواية النظام!! لجان التقصي إلى دماج متعددة التوجهات السياسية ولم تطأ قدم وفد أو لجنة تحري أرض أبين. الشك الصحفي فيما تقوله الأنظمة ومراكز القوى، وهي عادة حميدة، ظهرت في دماج وغابت في زنجبار. حتى جمال بن عمر وهو حلال الُعقد اليمنية لم يتفوه بكلمة عن حرب أبين وكأنها معارك بلاستيشن.
هناك بُعد آخر. عند الانهيارات الصخرية بوادي دوعن انتقدت في صفحتي على الفيسبوك تجاهل أحزاب المشترك والمجلس الوطني لكارثة إنسانية أليمة مرت بهدوء كأن لم تحدث. كنت مستاء كون مأساة بهذا الحجم لا تلقى الحد الأدنى من تعاطف الرأي العام، خاصة منا نحن الشماليون. لم تنتفض صنعاء للتضامن مع حضرموت مرسلة قوافل الإغاثة كدماج وكأنها منفصلة عنها ذهنياً وعاطفياً. واختتمت المشاركة بعبارة (إذا شعرت حضرموت أن صنعاء لم تفزع لفزعها (وحالة التضامن بين المدن عززتها الثورة) ولا تفرح لفرحها فمن الذي يمارس الانفصال، هماً وسلوكا، عن الآخر؟ نحن أم هم.
جاءت المشاركة على الوجع فباح الصديق عبدالقادر فدعق بمواجع يكتمها احتراماً لمشاعر الثوار. كتب عبدالقادر: "للأسف وبكل أمانة وبعيدا عن التنميق هذا الشعور أصبح مستوطن في النفوس والإحساس بعدم الاهتمام ظاهرة أصبحت ملموسة لدى الكثير من الجنوبيين, لك أن تتخيل المقارنة في كم التفاعل بين ما حدث في أرحب وفي دماج مقارنة بالتفاعل الذي حدث في مصابنا في أبين؟ فرق عميق وكبيييير لدرجة انك تشعر بأن أخوتنا في المناطق الشمالية غير معنيين بما يحدث في المدن والقرى الجنوبية وبعد ذلك يتعجبون ويتساءلون أين هي التفرقة في المعاملة؟ التي جعلت معظم الوحدويين يعيدون حساباتهم من جديد من مواقفهم السابقة؟ الثورة أظهرت أمر غاية في الخطورة في أن ما يحدث شبه ثقافة عامة لدى بعض أخوتنا في المدن الشمالية وأظهرت لنا أنهم لم يصلوا حتى إلى درجة تفكير النظام ولنا في المجلس الوطني وتعاطي قناة سهيل عبرة تلجم أي مشكك في ما أقول".
في اليوم التالي نشر فدعق على حائطي روابط أغنية (وامكحل عيوني بالسهر بصوت الفنان علي سيـود (من أبين) علي سيود وهو فنان مخضرم وملحن تغنى بألحانه الكثير من المطربين. كنت أعرف أن صديقي فدعق تعمد اختيار الأغاني الصنعانية (الشمالية) بصوته ليقول لي أنه أحد عشرات آلاف مشردي أبين في مدارس عدن. ضاقت بي الأرض وأنا أقرأ على حائطي آخر عبارة كتبها فدعق (الأستاذ علي سيود يعاني من فشل كلوي وحالته تسوء أتوقع أن أسمع خبر وفاته في أي لحظة). ما قيمة الوحدة إن كانت ستتركه يموت مشرداً؟ بل ما قيمة كتاباتي إن كنت عاجزاً عن إنقاذ حياة شخص ما؟ يا إلهي ما أسوأ العجز عن فعل شيء للآخرين.

أضف تعليقاَ

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.