النبي محمد.. دروس في العزة

منذ أن اصطفى الله رسوله الكريم محمدًا صلى الله عليه وسلم ليحمل رسالته الأخيرة إلى البشرية، جعل الله له دستورا يمشي به في الأرض هو ومن سيحمل رايته من بعده، فقال عز وجل في كتابه العزيز “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون”.

المتتبع لسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد أن المولى عز وجل رباه على العزة منذ طفولته حتى شبابه ثم قيادته للمسملين، وساق لنا نحن المسلمين رسائل كثيرة من خلال مواقف عايشها الرسول وكأن الله يقول لنا: أيها المسلمون هذا رسولكم قدوتكم في كل شيء اتبعوا طريقه هو طريق النجاة، لكننا حدنا عنه فكان الذل مصيرنا.

عزته قبل الدعوة

في شبابه كان الرسول عزيزا فرفض أن يسلك طريق قريش من شرب الخمر والزنا والكذب والخيانة والسجود للأصنام، وعن ابن عباس قال: “حدثتني أم أيمنَ قالت: كانت بوانة صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك لَه وتحلق عنده وتعكف عليه يوما إلى اللَيل في كل سنة”.

عزته بعد الدعوة

كان الحبيب مقاتلا ومدافعا عن الإسلام وعن مبادئه التي رباه ربه عليها، فعندما جاء كفار قريش لعمّه يشكون منه ومن دعوته الجديده قالوا لعمه: “والله لا نصبر على من شتم آباءنا، وسفه أحلامنا، وعاب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك”.

ومنذ تكليف الله له بالرسالة، وبدء النبي دعوة الناس للإسلام، كان زعماء قريش يعرضون عليه الجاه والمال والقصور وأن يكون من أسياد قريش في مقابل أن يكف عن الرسالة، إلا أن كل هذه المغريات لم تجعل الرسول يضعف ويترك رسالته، رغم قلة عدد من آمنوا معه.

وكان أبو طالب عم النبي، قد قال له: “يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن الرسول أن عمه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال صلى الله عليه وسلم: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته قال : ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، وقال له: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا”.

عزته يوم فتح مكة

لعل هذا الموقف من أبرز المواقف التي يعرفها المسلمون قاصيهم ودانيهم وهو عفو الرسول عن أهل مكة عندما كرمه الله بفتحه وقال مقولته الشهيرة: ما ترون أني فاعل بكم؟، قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال لهم: أقول لكم كما قال أخي يوسف: “لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، اذهبوا فأنتم الطلقاء، ليكون هذا الدرس خير مثال على عزة المسلم وترفعه عن الانتقام ممن مسه بسوء، وعفوه عنه عند المقدرة، فهذا مثال ودرس في أخلاقيات الفتح والنصر، ومثال لحسن الأخلاق في نشر الدعوة، ومثال في قمة التواضع عند التعامل مع الأعداء.

عزته في الحرب

طوال حياته النبوية كان معلما للمسلمين يعطيهم دروسا عملية في الحفاظ على عزة المسلم، فعندما عصاه الرماة في عزوة أحد ودارت الدائرة على المسلمين، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه، فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: اُعْلُ هُبَل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مُثْلةً لم آمر بها ولم تسؤني”، فهنا كان الرسول معلما للعزة للمسلمين حتى في أحلك ظروفهم الهزيمة في الحرب.

امرأة تحرك جيش المسلمين

يعرف قارئ التاريخ أن غزوة بني فينقاع سببها في الأساس امرأة مسملة غار عليها الرسول والمسلمون، فمما يروى أن المسلمة قدمت إلى سوق بني قينقاع، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود تبيع وتشتري منه، فطلب منها اليهود كشف وجهها، فرفضت فجاء أحد اليهود من خلفها وربط طرف ثوبها برأسها دون أن تشعر، وعندما وقفت انكشفت المرأة فصرخت، فجاء أحد المسلمين وقتل اليهوديَّ الذي فعل ذلك، فاجتمع يهود بني قينقاع على المسلم وقتلوه.

وصل الأمر إلى رسول الله، وعلى الفور جمع الصحابة وجهّز جيشًا، وانتقل سريعًا إلى حصون بني قينقاع، وحاصر الحصون وفي داخلها بنو قينقاع، وأصرَّ على استكمال الحصار حتى ينزل اليهود على أمره، رغم ما يمتلكونه من سلاح وقلاع وحصون، فقدأ رأى الحبيب أن هذا كله ثمن رخيص للغاية في مقابل حفظ كرامة الدولة الإسلامية، وحاصرهم الرسول حتى استسلموا فكان حكمه عليهم القتل.

هذه بعض من الدورس التي أهداها لنا الحبيب، نسترجعها في ذكرى ميلاده لتكون نبراسا لنا نهتدى بها من بعده، خاصة في زمن تنتهك فيه حرمات المسلمين وتستباح أعراضهم على كافة الأصعدة، في فلسطين وفي بورما وفي بقاع كثيرة دون أن نحرك ساكنا.

 

المصدر : البديل المصري 

أضف تعليقاَ

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.