التطبيع.. فعل خيانة

 

مؤخراً جرى تسجيل خطوات وقحة باتجاه التطبيع مع العدو الصهيوني تحت عناوين مُختلفة، الرياضة، الفكر، الثقافة، الفن.. الخ، جُوبهت بردود فعل رافضة، مُنددة، لكنها لم تصل لمستوى إعلان مقاطعة المُطبعين أو المُروجين للتطبيع والداعين له.

دعونا في البداية نُلامس مزاج الناس، فطرة مُجتمعاتنا العربية فيما خصّ موضوع التطبيع واستخدام سلاح المقاطعة، بالتجربة وعلى أرض الواقع لا تنظيراً.‏

 

ما زالت مُجتمعاتنا بفطرتها وبوعيها ترفض التطبيع وتستهجن فعله، بل إنها تنظر له كفعل خيانة وتُقيّمه على أنه فعل خيانة بكل المعايير الوطنية القومية والأخلاقية، سواء تعلّق بالفكر أم اتصل بسلعة أو مُنتج ثقافي أو فني أو اقتصادي، فمن الذي يدفع باتجاه التطبيع، ولماذا؟.‏

 

حصانة مُجتمعاتنا العربية قوية وتقوم على أسس متينة، لكن ذلك لا يعني أنها عصية على الاختراق المُنظم الذي تشتغل عليه دوائر صهيونية غربية مُتخصصة تُسخر كل الأدوات وهي كثيرة، وتستخدم جميع الإغراءات وهي مُتعددة، لخدمة الغاية ولتحقيق الهدف.‏

 

في السياسة هناك أنظمة عربية صار أمر التطبيع مع العدو الصهيوني خلف ظهرها، وضعته خلفها منذ زمن وتتحرك اليوم علناً باتجاه التحالف معه، بل أقامت حلفاً استراتيجياً معه - السعودية وبعض أخواتها الخليجيات أنموذجاً - غير أنّ مجتمعاتنا، حتى الخليجية منها، ما زالت تنظر للأمر على أنه في أقل تقدير فعل مُستهجن وغير مقبول لا تنخرط فيه وترفضه بأشكال مختلفة.‏

 

لماذا تحتاج إسرائيل ككيان غاصب مُحتل للتطبيع؟ لأنّ السوق العربي مُهم تسعى لغزوه وبيع مُنتجاتها فيه، أم لأنّ دخوله يترك أثراً غير منظور أكثر أهمية من البيع والربح تعمل لترسيخه؟.‏

 

الأثر غير المنظور السياسي الفكري والثقافي قبل الاقتصادي هو ما يعني الكيان الصهيوني، ذلك أنّ تسجيل الاختراق بالتطبيع في هذه المجالات وبسواها، قد لا يمضي بعيداً وفي العُمق بوقت زمني قصير، لكنه في أضعف التقديرات سيكون إنجازاً عظيماً - بالمعيار الصهيوني - لأنه يفتُّ بإرادة ووعي مجتمعاتنا، ولأن أول خطوات التقبل والتفاعل تبدأ بقبول المُصافحة باليد، بالفكرة، بتبادل السلعة، ليسقط بعدها تلقائياً ما هو أعمق وأكثر أهمية.‏

 

بمعنىً آخر، حين يتقدم فعل التطبيع مع العدو خطوة واحدة، بالضرورة سيتراجع فعل المقاومة ضده خطوة على الأقل، وعندما يصبح التطبيع فعلاً غير شائن، لا يُقيَّم على أنه خيانة ولا يستوجب المُساءلة ولا المُحاسبة سيفقد المجتمع شيئاً فشيئاً الحصانة قبل فقدانه نسبة مئوية من مُكوناته التي ستنتقل إلى ضفة أخرى، وستكون مع تقبلها فعل التطبيع بموقع جديد إذا لم تكن مُندفعة للتطبيع فهي ليست ضده، وإن لم تكن مُقاومة للتطبيع فهي غير مُتحمسة لفعل المقاومة!.‏

 

هنا بيت القصيد، الغاية ضرب المقاومة، والهدف إسقاطها ثقافة وفعلاً ونهجاً وتوجهاً وإرادة ووعياً، وإذاً فالتطبيع ليس نقيض المقاومة بل هو فعل واع يستهدفها في الصميم، ولأنه ينطوي على هذه المقادير من الأهمية للعدو تُسخر له كل الأدوات، ويُخصص له المال الوفير، ومن أجل المضي به للأمام تجري عملية شراء وتجنيد النُّخب المُؤثرة بالمجتمع.‏

 

الرياضي والكاتب والفنان والمُنتج و.. وكل من يذهب للتطبيع ويُروج أو يدعو له تحت عناوين الفن والأدب والثقافة وحرية الرأي وسواها، إنما يُروج للعدوان والاحتلال العنصري الإسرائيلي، ويسهم بوعيه التام - وهو نخبوي - بطعن وطنه وأمته ومجتمعه، ويخدم عدوه، لا ينبغي الاكتفاء بمُقاطعته، بل تجب مُحاسبته لأنه يقوم مُقابل أجر رخيص بفعل خيانة يعي آثاره المُدمرة، بدلاً من أداء واجبه كنخبوي بتبني قضايا وطنه.‏

أضف تعليقاَ

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
7 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.